ثرثرة تحت المقيبرة – عبدالرحمن بن عبدالله العتيق

ثرثرة تحت المقيبرة
عبدالرحمن بن عبدالله العتيق
من كتاب “الرياض مدينة الصحراء والخزامى” – إصدار وزارة الثقافة والإعلام.
بعد خدمة ثلاثين سنة في العمل الحكومي تقدمت بطلب على التقاعد المبكر للاشتغال بمهنة المحاماة ، لو خرجت من باب محكمة الرياض الكبرى متجها غربا سوف تجد على يمينك جامع الشيخ محمد بن ابراهيم وعشرات الامتار ستلاحظ سوق الصقور وسوق الطيور على زاوية شارع المقيبرة ، وبعد خطوات نحو الشمال على شارع المقيبرة يقع على يمينك سوق موقوف مكون من طابقين كان هذا هو سوق المقيبرة ولو مشيت قليلا لا بد ان تكون على يمينك مباني قصري الحكم والامارة ثم امانة منطقة الرياض وفي وسط شارع المقيبرة ، سوف ترى نحو الغرب شارع السبالة من امتداده من شارع المقيبرة حتى طريق الملك فهد غربا ثم شمالا شارع الامام محمد بن سعود بن مقرن ، أما شارع المقيبرة القصير فينتهي عندما ينعطف نحو شارع الإمام محمد بن سعود بن مقرن هذا المربع ثم أنشئ مركز التعمير عليه غربا للجملة غرب شارع المقيبرة ولو عبرت شارع الامام محمد بن سعود بن مقرن لابد ان تشاهد شارع العطايف يمتد شمالا بمحاذه سوق المعيقلية حاليا حتى تصل الى شارع تركي بن عبدالله بن محمد الذي يقع عليه ايضا بقية اسواق المعيقلية التي كنا نسميها قيصرية الصفاة وعلى هذا الشارع سوف تجد ايضا جامع تركي بن عبدالله وعن شرق الجامع ساحة الصفاة وبعدها قصر المصمك.
في ستينات القرن الماضي لم تكن هذه المباني بأشكالها الحديثة ولا الأنيقة موجودة انما كانت هذه الاسماء والشوارع كما هي ولكن العمار قد تغير جذريا وما يهمني فعلا هو سوق وحي المقيبرة الذي هو مسقط راسي.
هذا المباني لم اكن أعرفها أو أتخيلها ، ركام الذاكرة مطمور تحت هذه المباني الحديثة لابد ان امحوها من الحاضر كي لا أعود الى الماضي ، الماضي له دهاليز وامكنة وازقة ومجابيب تراثية .
لون الظهيرة كان ابيض كبياض الازقة الترابية والمنازل الطينية المتقاربة ، المقيبرة تصغير لكلمة المقبرة آنذاك وقبل ولادتي في هذا الحي تم العثور على رفاة بعض الموتى عن طريق الصرافة داخل حفريات هذا المكان خلف مسجد المريقب الواقع وسط المقيبرة .
كنت اتمنى العثور على صورة شخصية لوالدي رحمة الله حتى في التابعية وهي دفتر الاحوال الشخصية لكن تم كتابة مكان الصورة الفوتوغرافية الشخصية بانة معفى من التصوير هم العلماء والمشايخ وتحت كتابة هي خانة المهنة طالب علم.
حتى وفاته بقي طالبا للعلم علما انه كان عليه الالتزام بالأمر السامي الكريم من الملك عبدالعزيز رحمه الله بعد حصوله على الإجازة زمن الشيخ محمد بن ابراهيم استاذه في العلوم الشرعية هو وابناء جيله مثل ابن باز رحمه الله .
كان يفضل الانزواء لكنه تظاهر بانه مذعن للأمر السامي وكعادة القضاة المعينين لابد ان يتوجه الى المقام الكريم للسلام وبعد المصافحة في القصر تلمس طريقة للهرب من المجلس دون ان يستمر بالسلام على الباقين تم تسهيل هربه من المنصب آنذاك وبقي على زهده حتى جاء امر من الملك سعود رحمه الله بان يكون اماما لمسجد المقيبره، علما ان دوره فقط ان يتوجه الى المسجد ويصلي بالمأمومين كل وقت المقيبرة هي الديرة لأنها قلب الرياض النابض بالحياة والحركة والناس بل هي مركز التسوق الرئيس او الوحيد في الرياض آنذاك ومن مركز بيع الخضار والفاكهة كميدان مكشوف الا انها محاطة من جميع الجهات بعدد من الاسواق الاخرى المبنية فشرق المسجد والسوق كان هناك سوق السدره الممتد على جوانبه الدكاكين كأنه حارة ولكنه مسقوف بالصفيح والاخشاب تتدلى منه بعض المراوح واللمبات الخافتة وتتجمع فيه محال الصاغة وبيع الذهب والفضة ثم يمتد السوق ويتعرج الى محال بيع المستلزمات النسائية والاكسسوارات وأنواع من مساحيق الزينة كالكحل والديرم والكريمات والعطورات الرخيصة والاواني المنزلية والاقمشة النسائية والعباءات
عن شمال سوق السدره وعلى شارع الامام محمد بن سعود بن مقرن الممتد من ارض الإمارة الحالي باتجاه الغرب عندما ينعطف وانت قادم شارع المقيبرة لابد كان هناك مدخل سوق الحساوية والذي يبدا بمحال بيع الاحذية الجلدية ومعظم الباعة إما من بخاري في الاصل ونسميهم البخارية بعدهم تتفرغ محال الحساوية لبيع الملبوسات الرجالية كانت تخاط بمقاسات ارتجالية وغير متناسقة بينها اليمنيون بالذات اصحاب التفصيل الارقى ومن خلالهم قد تجدهم اصحاب مهنة صناعة البشوت الذين لا يوجد من ينافسهم في تطريز البشوت بالذهب لكن على نفس الشارع وبجانب مدخل سوق الحساوية تصطف على شارع الامام محمد بن سعود محال الخرازين لصناعة الجلديات مثال النعال المحلية والخفاف وقرب السقاية وغيرها يليهم على نفس الشارع سوق الجفرة حيث ينزل بك هذا السوق مقدار درجتين نحو سرداب ويتفرغ بك السوق المعتم نحو تجار الارز والسكر والقهوة والارزاق والسمن والهيل والاقط هؤلاء الباعة قد تخصصوا ايضا في البيوع الآجلة بالفوائد العالية ويلجا اليهم من يحتاج تمويلا شخصيا فيتم بيعه اكياسا من الارز واي سلعة غذائية يبلغ سعرها الف ريال حاليا فإنها تباع بمبلغ الف وخمسمائة ريال عند الوفاء خلال سنة مثلا بعدها يقوم المحتاج الى تمويل ويبيعها ربما الى نفس البائع او غيره بألف ريال ليحصل بثمنها على السيولة التي يحتاجها وهذه العملية نوع من الاحتيال على الاحكام الشرعية في احكام البيوع للهروب من شكل التعامل بالربا
مركز المعيقلية الحالي بني عبى سوق الحساوية والخرازين والجفرة وقيصرية الصفاة التي كانت مركز بيع الكتب والادوات القرطاسية والحقائب والساعات والمصاريف والعاب الاطفال ميدان الصفاة او ساحة الصفاة او القصاص مازالت بنفس الاسم لكن الهيئة غير السابق حتى جامع الامام تركي بن فيصل كان مبنيا بالحجر والطين ومكسوا بالجبس الابيض اما اليوم فتحول الى طراز حجري حديث
كان هذا الجامع هو المسجد الرئيس في مدينة الرياض بل والرسمي وهو كان الجامعة الاسلامية الاولى في الرياض
في الطفولة ذهبت الى هذا الجامع مع والدي ورأيت المؤذن الشهير عبدالعزيز الماجد وصليت لأول مره خلف الشيخ محمد بن ابراهيم لكن والدي رغم انه تلميذ ابن براهيم الا انه يعتز كثيرا بعمه الشيخ سعد بن عتيق الذي كان قد سبق ابن براهيم في امامة المسجد وتخريج العلماء واجازتهم علميا وكان متأثرا به في زهده وبعده عن زخارف الدنيا والتملق
رأيت والدتي تتسلل الى سطح المنزل وعندما تبعتها رايتها على السطح تتسمع بخشوع الى اصوات الميكرفون اثناء خطبة وصلاة ابن ابراهيم القادم من المسجد الجامع وطلبت منها ان ترفعني كي اتسلق جدار الطين كنت ارى الرياض تحتي بجدرانها لا اسمع اي صوت سوى الهواء يمر من اذني وخطبة الجامع غير الواضحة
كانت الرياض صغيرة جدا وكان والدي كل عام يستأجر منزلا غير الذي سبقه وجميعها قرب مسجد المريقب والمقيبرة
محاولة يتيمة حاول والدي شراء منزل عندما اعجبته عمارة الصحابي ال الشيخ وهو جارنا في الحارة وبعد انتقالنا الى السكن فيها لمجاورتها المسجد بشكل قريب جاء مالكها للتفاوض فكان يريد مبلغ ٦٢ الف ريال ولكن ابي يريدها بستين الف ريال وخرج الرجل ولم تتم الصفقة لكن بعد خروجنا منها بسنتين او اكثر تمت توسعة المقيبره وتم نزع ملكية العمارة بستة ملايين ريال كانت فترة السكن في العمارة وسط المقيبره ملآى بالمتعة والتشويق لكونها وسط الزحام نهارا ومركز البيع ولا يمكن ان تخرس الاصوات والنداء على المبيع وكل صاحب بسطه خضار او سلعة لابدان ينادي عبر الحراج اليومي والمزايدات وكانت هذه العمارة هي الوحيدة في وسط المقيبرة
كنا نسكن الدور العلوي اما السفلي فيوجد له باب صعير دائما مغلق مره واحده كنت اقوم بالعبث بخرطوم الماء وارش الارض الترابية امام مدخل العمارة لكون الاقدام الكثيرة تثير الاتربة وتصلنا ولم اشعر سوى بالباب الصغير يفتح كانت كالطفلة تريد ان تخرج من المنزل وكانت تريدني ان اتوقف عن رش المياه لكني صعقت بهيئتها وكأني ارى مخلوقا خلق من عجينة اخرى من نور وشعرها الذهبي مازال يسطع وعرفت الان ان لهجتها من الشام كنت اتعمد استفزازها وهي تريد الخروج وجزء من وجهها يكاد يخرج من الباب الموارب وتهمس بضيق “خلاص ولاك “
لم يكن يعجب والدي ان تكون القهوة تحت زاوية العمارة مكانا لتدخين الشيشة لذلك عندما كان والدي يتذمر من رائحة رؤوس الجراك كنت ايضا ومن فوق. اصب خرطوم المياه على رؤوس الجالسين خارج المقهى على الارض التي قام برشها صاحبها السعودي الذي كان يهددني تحت العمارة
لعل اهم مراحل تلك الفترة وهي قبل انتقالنا الى هذه العمارة الخرسانية وكانت الفترة التي كنا فيها جنوب المسجد تلك الحارة الضيقة التي نهايتها جنوبا منزل ابن عجلان ذلك الرجل الانيق الذي يمر من امام منزلنا كل صباح ارى ملبسه وأناقته وبشته وعقاله ولحيته المهذبة يتجه تجاه المسجد ثم يختفي شمالا وكانه بهيئته ذاهب لمقابلة مهمة كان مقدرا ان ادخل من لهم المختلف عن بيتنا الطيني الصغير له ابن يحاول تتبع الطيور بأنواع من الحجارة لكن إحداها ارتطمت برأسي فنزفت الدماء حاول اسكاتي عندما رآني اتقافز من الالم وحاول الهرب وتبعته بعويلي حتى وصلت المنزل طرقته متقدما بشكواي وادخلوني وكانت المفاجأة اني رأيت وجوههن مضيئة.
تقدمت احدهن مني واجلستني وبيدها الميكروكروم وتمت عملية التنظيف للجرح وكانت عيناي تتجولان في الوجوه المحيطة بي وتعلق في ذهني صورة الارضيات حيث لم تكن كأرضيات من لنا من اسمنت بل كان الاسمنت مكسوا برسوم مطاطية على شكل بلاط متباين على مربعات بيضاء وسوداء تثير الدهشة كنت انظر الى ثيابي واشعر بالتواضع
درست في مدرسة عمر بن عبدالعزيز الابتدائية التي تقع داخل حارتنا لكن من جهة الشمال وقبل الوصول الى مسجد المريقب اتجه يمينا شرقا وفي النهاية تكون المدرسة كان الذين يسكنون في دخنة يأتون الى نفس المدرسة لكونها قريبة منهم هذه المدرسة يملكها جارنا ابن سليم وهو من معارف الوالد المدرسة فيها أساتذة رائعين مثل الاستاذ محمد السبيهين والبواردي وابراهيم السوداني لكن بالمقابل يوجد الاستاذ رسمي وهو غير مقبول لكون لسانه ينطق بعبارات مؤلمة وكذلك الاستاذ جمال له اسلوب في التهذيب لا يعجب الطلاب زميلي ابن العقيل حاول تأديبه بطريقة رمي القلة كان يمسكه من ذراعيه ثم
يدور بجسمه عدة دورات ويلقي به على الجدار فيرتطم جسمه على الجدار ويسقط على الارض ، مدير المدرسة كان صارما ايضا أراد تأديب احد التلاميذ كان الطالب لونه اسود احضروه وهو يرتعش في وقت تم جلب جميع الطلاب من الفصول وتم تشكيل دائرة تذكرني بميدان الصفاة ثم جاء المدير وقرأ التهمة على الطالب بانه سرق كرات طاولة التنس واحضروا الفلكة لم يستطع الطالب من الوقوف من شدة الالم كان يبكي ولم يتحمل لبس الحذاء بعدها اختطف الحذاء والحقيبة وقفز من فوق اعناق الطلاب نحو الباب الخارجي .
اختفى لكن بعد سنين طويله اخبرني زميلي في المدرسة خالد اليوسف بانه تم مؤخرا تنفيذ حكم حد السرقة عليه في ساحه الصفاة المهم ان تلك الفترة في بداية المراحل الابتدائية في حارتنا اياها التي ينفتح باب منزلنا على ميدان المقيبره لم تكن لدينا أمكنة للعب سوى العبث بكل ما حولنا واعجبتني فكرة تعليق الحيل من فوق باحة المنزل لتحويله الى ارجوحة لكن لم تعجبني فكرة ان يكون منزل الجيران مستودعا لبضاعة والدهم كان المنزل يحتوي على صناديق ضخمة بطول قاماتنا تحتوي على الاواني المنزلية التي هي تجارته كما ان منزلهم يحتوي على بقرة واغنام وطيور ومع ذلك فابنهم لديه ثقة في نفسه عندما يتحدث معنا مع ان طريقته في اللبس واسلوبه في التهام كميات من الكليجا والتمر لا تمنحه تلك الميزة من التعالي ومع ذلك وجدت ان لديه خاصية ربما تكون مصادفة عندما رايته يجلب قصصا ومجلات سوبرمان والوطواط جعلت منه محل اهتمام في وقت كان التلفزيون غير معروف في مجتمعنا والراديو محرم دخوله لمنزلنا ومنزلهم كان جارنا المنجم سمعت انه هو صاحب الثلاجة التي كانت على شارع العطايف ومن اراد الدخول لمجال التجارة كانت الديرة المقيبرة هي قبلته كانت تعج بمختلف الفئات والجنسيات ويكثر فيها الاخوة اليمنين والحضارم اما العمانيون فيعملون في البلدية غرب المقيبرة هناك المجزرة وكنا نسميها المقصبة وهي سوق مسلح به محال الجزارة وبيع اللحوم الحمراء وشمالها دكاكين بيع الاسماك مثل محال الزهراني ولو تابعت المشي غربا على سارع السبالة سوف يخرج الممر الى شارع العطايف
وعودة الى تلك المرحلة وتلك الحارة كان يسكن نهايتها غير الصحابي ال الشيخ كان السديري وال باني والدريس وال خريف والعتيبي والعجلان والنويصر وال منيف والكنعان وغيرهم لكن مازلنا في منزلنا الذي ينفتح على زحمة السوق ويزداد الزحام وتشتغل السوق في الاعياد حيث يتم اشعال النار في المساء وتبدا كل انواع الرقصات وقرع الطبول ويأتي بائعو الخضار البعض منهم من الطائف عرفت اليوم من أنواع رقصاتهم غير اليمنين وأهالي الجنوب ويتم أحيانا القاء بعض المفرقعات في النار كان مهرجانا شعبيا باجتهاد من الباعة قرب سرق السدرة ممن لا يملك دكانا كان الباعة المتجولون يعرضون بضاعتهم داخل صندوق خشبي كبير ثم وضع الزجاج على الفتحة الامامية وسيتم سحب الصندوق كأنه عربة على اطارات منزوعة من دراجة هوائية والبعض يعرض على صندوق تم تركيبة على نوع من الدراجات ذات الثلاث عجلات ويتم عرض انواع من الامشاط والكريمات وكريمات ازالة الشعر والترطيب والمقصات وغيرها او الدراجات ثلاث عجلات ففي الغالب وبعد كل عصر يتم بيع بقايا الخبز التنوري وخبز الشريك والبعض يحلس امام سوق الجفرة وهم الذين في مقتبل تجارتهم وحياتهم يعرضون البسطة على سجادة او على الارض لا يمكن تجاهل تلك العربات الاخرى التي تجرها الحمير وتستخدم في النقل بدلا من السيارات كانت تؤدي دورها كوسيلة ممتازة لنقل كل الاشياء التي يصعب على الحمالين حملها على الاكتاف لو كنت معي آنذاك وتحركت قليلا باتجاه سوق الجفرة سوف تشاهد شابا صغيرا يجلس على الارض وامامه سجاده عليها قروش عملات مصفوفة كل وحدة مكونة من تسعة عشر قرشا لمن يحتاج الى صرف ريال فيكسب في كل صفقة قرشا واحدا ربما يكون هذا الشاب صاحب اكبر مصرفية اسلامية في العالم العربي مستقبلا وواحد من كبار اثرياء العالم كان قبل الغروب يودع ما لديه من قروش أمانة لدى تجار الارزاق في الجفرة على سبيل الامانة ليستلمها في اليوم التالي في داخل مسجد المريقب كانا يجلسان في المؤخرة بعد صلاة العصر ويعقدان العزم والاتفاق على تكوين شركة ثم تتحول الشركة الى مؤسسة فردية ربما يكونان هما الجريسي والنصار ومن هذا الاجتماع تكونت اكبر مؤسسة للتجهيزات المكتبية والحاسب الشخصي بعد انتقالنا الى الجهة الاخرى من شارع المقيبرة باتجاه الغرب من المسجد الحارة التي تنحدر غربا شمال المجزرة نحو زقاق اخره مجابيب ثم ننعطف باتجاه ثم ننعطف باتجاه الجنوب من الحارة قبل اخر مجبب ومسقوف تم الاستقرار في البيت الطيني تعرفت على جيران جدد قبل ال دبيك الغريبي والعساف والحربي والعتيق والسلولي والعويس وغيرهم وقبل مدخل السكة كان على اليمين باب صغير ينفتح على غرفة منزل تم تحويلها الى بقالة بفتح هذا الباب الى الخارج ووضع طبق دائري كمجسم ضخم الغطاء زجاجة البيبسي كولا هو عنوان على كون هذه الغرفة بقالة كانت مركز تجمع ابناء الحارة وبتسويق من مالكي البقالة كانت مراهنة لعبة ( الطاش ماطاش ) هي اللعبة الحماسية يأخذ احدنا زجاجة الببسي كولا وبيده الفتاحة ويسال المتراهن عن رأيه فينظر داخلها ومن خلال الفقاعات داخلها بانها (طاش ) وتعني ان الرغوة سوف تفور خارج الزجاجة فور فتحها لكن قد اخدعه باني قمت برج القارورة وبالخداع تكون فقاعات الصودا ساكنة وبعد الفتح تبقى الرغوة لا تتعدى فم الزجاجة واكون قد كسبت الرهان بأن يدفع الخاسر قيمة الزجاجة ليشربها الفائز بعض المراهقين من الممكن ان يراهن بزجاجة وعليها صندوق كامل من الببسي لجميع الحاضرين من الاولاد كمشهد بطولي للفوز بالرهان من داخل الحارة انتشرت العلكة ابتي تحمل داخلها صورة شخصية لاحد الفنانين العرب او فناني امريكا جميعنا عرفنا اسماءهم ولم نشاهد لهم أي أعمال لكوننا لا نعرف السينما او الافلام لعبة العكوس (الصور ) تشبه لعبة نقش او غوج او لعبة رهان ( ملك او كتابة ) لكن العكوس هي اسلوب رهان بان العب بالصور فهو يختار صوره وانا اختار صوره ونلقي بهما في الفضاء فالصور التي تكسب الصورتين واذا كانت الصورتان الى اعلى او نزلتا مقلوبتين فتعاد اللعبة من جديد عندما اقف امام البقالة يكون خلفي صف دكاكين متعرجة أشبه بورش الحدادة وتلميع الاواني او شراء الاواني بالكيلو او بطاريات السيارات التالفة او العاملين في ربابة الدلال والاواني النحاس بعد المغرب تكون جميع هذه الفتحات مغلقه ويبقى الاولاد قد يكون بيننا احد الظرفاء واشهرهم ابن دبيك علمت مؤخرا بأنه اصبح من اثرياء الرياض لكونه من اهم الأخويا.
هنا في الحارة انتشرت بيننا فكرة ان الكي بالعطبة على الساعد هو سبب رئيس للقدرة على التصويب عند محاولة صيد الطيور بالنباطة فامسك بذراعي صديقي ابن بطاح حتى يساعدني على الصبر والقدرة على تحمل لسعة النار وقمت بوضع العطبة وهي قطعة قماش ملفوفة حتى تكون بعقب سيجار ثم يتم اشعالها ووضعها على الساعد لكي تحترق ببطء كأنها شمعة الى ان تصل حرارة الاحتراق رويدا رويدا نحو الجلد قبل ان تترمد العطبة بعدها يتم فرك اثر الاحتراق على الجلد الذي ينسلخ بسهولة وفقا لطقوس عبثية
عند حلول المغرب تتحول الحرة الى ممر للآيبين من معترك السوق تلك الرؤوس المنكسة من التعب والخطوات المتقاربة المزدحمة تأتي من المقيبرة باتجاهنا والبعض عاد وبيده بطيخة او صندوق فاكهه او يقود حمالا منهمكا حمل على كتفه زنبيلا به ماتيسر من مؤونة والبعض مهما حاول التأنق فإن سحنته وملابس التي عثر عليها تباع مستعملة فلم تكن سوى مخلفات الجيش او بالطو وصل الى بلدنا بالخطأ عباره عن بالطو يشبه الصديري من الامام ومن الخلف بالطو مقصوص باستدارة من الاسفل يذكرني ببالطو المايسترو الغامق لكنه ارتداه لاتقاء البرد تحت الشماغ تلك ملامح لا يمكن ان تنقرض من الذاكرة
في احد الايام كان اشقياء الحارة يتداولون حكاية رجل مر من امامهم يرتدي بشتا ويتظاهر بالوقار كان البشت المقصب بالذهب الاصفر قد استحالت لمعته الى لون نحاسي مغبر من كثر الغسيل كانوا يتغامزون عليه بانه خرج فجر احد الايام من تحت ازقة المنازل يصرخ من الالم وعندما تجمع حوله الناس وجدوه كأنه يحبو تحت عباءته ثم اكتشفوا ان احدى كلاب المجزرة كانت قد جرحته كل الشوارع والازقة غير المسفلتة تشع بالبياض عند حماة شمس الظهيرة ابناء الحارة معظمهم حفاة واثاث المنازل قليل جدا ويتم الاهتمام بالمجلس او الروشن والفضاء من بطن المنزل المكشوف للهواء والشمس والغبار والمطر فناء المنزل الطيني هو كصالة الجلوس حاليا والغرف تحيط بها على شكل فناء مربع ومرفوع بالأعمدة
جرأة الاولاد واستخفاف الدم ليست كفيلة بكسب صداقات عفيفة مع بنات الجيران في ظل سطوه الاخ والاب وفي تلك الفئة العمرية كان الحديث مع الجميع متاحا والدخول الى المنازل غير مستنكر وحضور زواجات الحارة مألوفا ولكن بشكل مفاجئ جاء الوالد ليعلن بانه استأجر عماره الصحابي الملاصقة للمسجد وفرحنا كوننا سوف ننقل من البيت الطيني الى المسلح والجميع يعتقد ان والدي الذي ارتبط اسمه كونه المكلف وناظر وقف شارع السبالة الشهير آنذاك بما فيه من دكاكين هو اغنى رجل في الحي .
لم يمض على استئجار تلك العمارة سوى عدة شهور حتى أصاب سوق المقيبره حريق وكانت احدى النوافذ في العمارة لم تسلم من دخول السنة اللهب وجاء الاطفاء ودخلوا بخراطيم المياه الى داخل مخادعنا لكن بقيت العمارة سليمة بعد انتقالنا من العمارة كانت الوجهة جنوب شرق المسجد وفي منزل تتنوع العائلات من حضارم يشتغلون بالتجارة مثل باسمح و باوزير و بلشرف وبن عجلان الرومي وغيرهم الى ابناء الرياض آل مقيرن وال الشيخ وال عسكر وال عقيل والدليلة والعويس والشقيري وال مرشد وغيرهم وكانت الحارة تفضي جنوبا الى عمارات صغيره عليها لافتات اطباء مثل الدكتور ابراهيم كمال وبقالة عائض اليماني ومركز الحجلان ومنزل ابانمي المسلح وغيرهم وكان الشارع عليه اسفلت واناره ومجالا لقيادة الدراجة الهوائية والتنقل حول سيارات الأجرة الجماعية وهي تستقطب الركاب وتنادي السبالة والريس السبالة والريس ،